َاعلان

الأربعاء، 31 مايو 2017

نريد كل شيء أن يكون شفافا ، فهذا خاضع لحب المعرفة ، كل شيء نرغب في تفسيره و شرحه ، حتى حيثيات الأشياء التافهة وصولا إلى أكبر الإستكشافات.
 لا نستطيع القول أن هذا الأمر سلاح ذو حدين ، ولكن هنالك طبعا جانب سيء ، نوعاما ، فبفضل هذه الرغبة يتطور حال الإنسانية بغض النظر هل هذا التطور في محله أو لا . فذلك الشوق لكشف الستار بحد ذاته قوة لكسر القيود ( كيفما كان نوع هذه القيود ، سواءا عبارة عن قوانين لعبة ككرة القدم مثلا أم قيود اجتماعية أخلاقية دينية - وقس على ذلك -)
المشكل - في نظري - يكمن عند استعصاء الأمر ، و الفشل في سحب الغطاء ، هنا نسقط في وعكة منطق ، قد نفسر قضية ما بأي طريقة ، مطلقين العنان لمخيلتنا ، فقط حتى لا نتركها مبهمة كليا . و ما يزيد المريض علة عندما نتخذ ما تخيلناه حقيقة مطلقة مدرجينها فوق بساط المسلمات . و بعدها يحين الدور لاستكشاف شيء مناف لمخيلتنا الخائنة ، نجد اننا نتناقض مع أنفسنا ، و يختلط الحابل بالنابل .
 فإما أن نشكك في جميع المسلمات فنعود الى نقطة البداية ، باعتبار أن المسلمات هي ما بنيت عليها كل المعرفة . و إما أن نكبح و نبني جدارا أمام ذلك الشوق الذي يدفعنا لجعل الأمور شفافة فنسقط في ركود معرفي .
 فلهذا أرى ألا نمزج بين الحقائق العلمية - فهي بحد ذاتها بنية على تشكيك - مع أمور دينية و مبادئ كأخلاق اجتماعية كمسلمات من نسج الخيال
قهوة بالحليب شبه محضرة تحتاج فقط الماء الساخن . لم أكن أحبد هذه الفكرة في البداية . لكن مع غياب الوقت و " الخاطر " لتحضير قهوة -على حقها و طريقها - كعادتي سابقا.
الكتابة بواسطة الكلافيي تصيبني بالتجشأ ، فالأخطاء لا تعد و لا تحصى بهذا القلم المزيف . فكرة أن التطور التكنولوجي سوف يقضي عن القلم مرعبة أكثر مما هي مساعدة ، ففي مثل هذه الأمور أرى أن الرجوع للأصل قد يكون فضيلة .
القهوة شارفة على الإنتهاء . النافذة التى انا مباشر معها تطل على مبنى به الكثير من أغوار الحمام - بدأت الشتاء في الهطول كلابا و قطط ههه - بعض الحمام غير مبالي تماما و منهم من يفتح شراع جناحه سامحا بدخول الماء منظفا شهر عانته ههه .
اليوم 19 ماي ، وما يزال هذا الجو الكئيب مطبق على المدينة ،هذا ما يفسر شعوري الدائم بالنعاس إلا ليلا

منظر جميل من هذه النافذة , أشجار تلو الأشجار , وحقول القمح و مساحات خالية , والجميل في هذا كله المنظر في تجدد مستمر كل ثانية , مع الرغم أن احتكاك العجلات الحديدية مع السكة يعطي صوة لا يتمم بهجة المنظر .
 لا يوجد أي ازدحام في هذه الأوقات , فلا عطل على الأبواب ولا مناسبات , لذا أنا جالس لوحدي في هذه المقصورة , أتصفح وجهي في المرآة المثبتة أعلاه , ثم أديره مرة أخرى نحو النافذة . يغير القطار المسار فتباغتني الشمس بصفعة حرارية , تغلق عيني من دون أي سابق إنظار , بعدها أغير مكان جلوسي إلى أي مكان أحب كأن الشركة المالكة للقطار تحت رئاسة أبي , أجلس في وضعية النائم , أتعب منها , أغيرها ,مللت , وقفت لدقائق قليلة لا تتعدى 3 دقائق . أراقب البنايات التي لم تكتمل بعد في البناء كأنها إشارة إلى الدخول في مدينة أو قرية بدأت في التوسع , المهم أننا سنمر على تجمع سكاني .
 يرن جرس في مكبرات صوت القطار لبدأ صوت أنثوي في التحدث ( أشعر كأنه يحاول أن يدغدغ قضيبي) كل ما في الأمر أن على الناس الذين سيغادرون في المحطة الموالية تجهيز أنفسهم . منذ طفولتي و ما زال نفس الصوت لنفس السيدة يستعمل في هذه الخدمة التي عادة تكون معطلة خاصة في الأيام المزدحمة .
 نفس الصوت , لم يتغير , لم يصب بالزكام , ولا بسرطان الحنجرة , ولا بأي مرض قد يغير صوتك سواء أفضل أم أسوء , أهذه السيدة لا تنطبق عليها قوانين الطبيعة ؟, لا تشيخ ؟, لا تكبر في السن ؟, لا تموت ؟, لربما شربت من ينبوع الحياة؟ , أريد حقا أن ألتقي بهذه السيدة .
 أحاول أن أتخيل هيأتها سواء كانت جذابة أم مرعبة , لاكنني متيقن أنها ستكون مرتدية كعبا عالي مع تنورة الى الركبتين مشدودة مبرزة أجمل ما في جسد المرأة بعد وجهها -- هذا من وجهة نظري – مع وجه مرصع بمواد التجميل ( هذا يكفي فقد بدأ بالانتصاب )
يقف القطار , أسمع بعض الضجيج و التطقطيق على اثر ارتطام الحقائب ,أضع السماعات  -- في أذني طبعا – أشغل أبلوم ل Amy winehouse وأراقب عبر النافذة مع تقلب أنغام أغنية stranger than me أنغام مرصعة ببعض الشتائم أو ما يسطلح عليه باللهجة المغربية '' حشيان الهضرة ''
 تجلس أمامي امرأة في مقتبل العمر وبجانبها رجل هو كذلك , من الواضح أن بينهما علاقة غرامية , فهذا ما سيتضح فيما بعد .
 سأبدأ في لعبتي المحرجة , تحتاج نوعا ما إلى جرأة , قاعدة واضحة و بسيطة , الحملقة طول الوقت من دون أن أغظ النظر ولو للحظة واحدة عن الشخص الذي سيكون أمامي مباشرة , الصعوبة في هذا العمل أنه من اللابد أن ينتابك شعور بالضحك ولكن يجب كبحه من البداية حتى لا يتعاظم – نهار اللول يموت المش - , لأرى في نهاية الأمر كيف ستكون ردة فعل الشخص الخصم إن صح التعبير , الذي سيكون في هذه الحالة هذه السيدة أو ربما هما معا .
 هيأت نفسي ثم بدأت , أحملق بانتظام دون انقطاع , أحملق وأحملق , دون كلل أو ملل , هي تلعب دور اللا مبالي , لكن صعب أن تكمل في هذا الدور إن لم تكن مستعدة له .
 نظرت إلي مباشرة كما فاعل كأنها تتساءل : '' ما بك يا هذا ؟'' ثم تلتفت مرة أخرى إلى النافذة . أكمل في لعبتي وقد بدأت بعض المتعة تنتابني بعد أن قامت بذلك . من الملحوظ أن أفكارها قد تبعثرة في تلك اللحظة , هيهات لم أنته بعد , لقد ضجرت ربما , ارتدت نظاراتها الشمسية مع العلم أن لا حاجة لها , ربما هي في حاجة لها لمراقبتي في ارتياح . ألهذه الدرجة قد ينزعج الإنسان فقط بسبب عينان مفتوحتان تنظران إليه ؟
 أتممت الإمعان مباشرة في عينيها , من الواضح أن شريكها قد لاحظ الأمر , ربما قال في نفسه أنه أمر بسيط لا يستدعي التدخل , وأنا أيضا لا أريد أن أرفع عيني إليه حتى لا أزيلهما عنها .
 أخذت هاتفها , بدأت في لمس شاشته , ليتني أرى ما تفعله هناك . انتابني شعور أنها ستبدأ في تصويري , من الملحوظ أن الهاتف لم يرتفع بما فيه الكفاية ليصور وجهي . بعد برهة يرن هاتف الرجل , رنين على شكل رسالة , حمل الهاتف لبرهة
 وأنا أنا محملق لاحظت توجه وجهه نحوي , بعد دقيقة تكلم معي بطريقة شبه فظة لكنها كيفما كام الحال محترمة كأنه يريد أن يثبت وجوده أمام فتاته أو زوجته أو ( ينعل طبون أمهم كاع )
_ أخي , ما بلك تحملق فيها هكذا ؟
_ (بوقاحة) من ؟ - من دون أهداف رجاءا 🙂
_ الفتاة
_ (مرة أخرى بوقاحة) أي فتاة؟
_ التي أمامك (بطريقة يريد أن يوضح بها أنه لا يمزح )
_ آه , لم أنتبه , لقد غاب عني ذهني ( من دون اعتذار )
_ (باستهزاء) المسكين
 _ (فقط بيني و بين نفسي ) المسكين هو أبوك يا ابن القحبة
لم تعجبني طريقة قوله تلك '' المسكين '' كفتاة تلوي صوتها , لذا أتممت وقاحتي على شكل انتقام معنوي . أنظر إليها من دون أن أراقبه هل يراني أم لا يبالي . علمت أنه هو أيضا ينتظرني متى أنظر إليه ليجادلني مرة أخرى , لن يحلم بهذه الفرصة . الفتاة انتابتها ابتسامة غريبة , ربما ظنت أنني أعجبت بها كعادتهم مع الرغم أنني لم أنزل قط عيني لأنظر إلى ما تبقى من جسدها .
الرجل بدوره سيحاول أن يأخذ دورا حتى يصبح له مكانة في هذه القصة القصيرة , سيلعب دور الرجل الغيور ذو النظرات الحادة . تكلم معها لوهنة بصوة خافة عمدا حتى لا أسمع حديثهما , تلك الوشوشات تثير فضولي , و ما يثيره أكثر تأكدي من أن الأمر يخصني .
 فجأة يغير الرجل و المرأة مكانيهما , ليأخذ كل واحد منهما مكان الآخر , حتى يصبح الرجل أمامي و المرأة بجانبه , إذن لي الآن خصم جديد لذوذ , وأتوقعه عنيد . بعد جلوسه و إعادة ترتيب هندامه بدأ هو بدوره في مجارات المبارة , ينظر إلي هو الآخر بنظرة مملوءة بالمنافسة و الصرامة .
 من ناحية أعجبني الأمر لأنني كسرت الملل الذي انتابني في المرحلة الأولى مع الفتاة , لكن ما لم يرق لي و ما لم أحبه هو أن السيد أخذ الأمر بجدية صارمة أكثر من اللازم لا حاجة لها . أعاد ضبط ربطة عنقه بانتصاب ظهره , ووجه عينيه إلي مباشرة , في الحقيقة ليس هذا ما كنت أبحث عنه , وفي نفس الوقت لم أشأ التراجع .
 كل ما كنت أبحث عنه هو رؤية الطريقة التي سيتعامل بها الشخص في هذا الوضع , و ما مدى تأثره, وإن صح التعبير ما مدى تأثير عينين محملقتين لا أقل و لا أكثر على عفوية الشخص .
 أكمل معه المشوار , العينين في العينين , يلزمنا فقط خوذة و قفازين لكل واحد . بقينا على هذا الحال لوقت طويل , كان رجلا ذو لحية خفيفة متقونة الحلاقة , حاجبين عريضين , قصة شعره كانت مائلة يسارا محاولا بذلك إخفاء بداية الصلع الذي سيكتمل حتما في أرذل عمره , لكنه لم يفلح في ذلك .
 بدأت حدت النزال في الانخفاض مع عامل الزمن , مستمر مع الرغم أن النعاس بدأ يداعبه , أنا ايضا تعبت بالأخص أن لا جدوى بعد الآن من هذا . اتصال هاتفي يصلني من صديقي , صديق لا يستطيع أن يقول جملة مفيدة من دون استعمال ما لذ و طاب من الكلام , فلا طالما كان يبدأ كلامه ب '' أين أنت يا ابن القحبة '' , توقعت مثل هذه الحوارات لذا خرجت من المقصورة إلى الرصيف , تكلمت مع المعتوه , ظننت أنه سيأخذ راحته في الكلام لأن الهاتف هاتف أبوه , هذا أراحني بعد الملل , فكما ظننت بدأ بجملته الشهيرة
_ فيين أولد القحبة
_ في مِخرتك , ماذا هناك ؟
_ إلى أين وصلت ؟
_ لم يبقى الكثير
_ كم من الوقت تقريبا ؟
_ تقريبا 30 دقيقة , ربما أكثر ب 10 دقائق إذا كان القطار متأخرا كعادته. لما كل هذه الأسئلة ؟
 _ تلاح تلاح , أبي يبحث عن الهاتف
انتهت المكالمة , بقيت واقفا في نفس المكان لبعض الوقت , ألقي نظرة على الجهة المقابلة , كدت أنسى أمر العشيقين و أنا أرمي أطراف عيني في كل مكان , قررت أن أتأخر قليلا , فمؤخرتي تعبت من الجلوس .
العديدة المرات قمت بهذه التجربة بحكم la navette
ما استخلصته هو كالتالي :
الفتيات و بالأخص المراهقات و الشابات كانوا يلاحظون ذلك بسرعة و يظهر عليهم التأثر , دائما كانت تنبعث منهم ابتسامة مكبوحة , وفي كل مرة يعيدون ترتيب هندامهم
وفي المقابل , الأطفال عموما في نظري أفضل شخص لا يبالي , قد يلاحظ نظراتك ولكن كيف ما كان الأمر يفعل ما يشاء من دون أن يعيرك أي انتباه , و في بعض المرات قد ينظر إليك و يخرج لسانه معبرا عن عدم رضاه , ليستمر في لعبه .